منتديات الشهيد فايز كامل بدوي
اهلا وسهلا بك عزيزي الزائر في منتديات الشهيد فايز بدوي

انت غير مسجل لدينا

للتسجيل او تسجيل الدخول اضغط هنا

منتديات الشهيد فايز كامل بدوي

والشهيد فايز نافذ بدوي
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 أم عــلاء ::::: بطـــولـة غائبــة فــي أحــرف مــن نــار :::

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو الرعد
Admin
avatar

عدد الرسائل : 115
العمر : 26
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 10/06/2007

مُساهمةموضوع: أم عــلاء ::::: بطـــولـة غائبــة فــي أحــرف مــن نــار :::   الخميس أكتوبر 15, 2009 11:11 am

عيسى قراقع
خلال زيارتي الميدانية لعائلات الأسرى في القدس والعيزرية توقفت كثيرا أمام حكاية أم علاء زوجة الأسير أيمن الشرباتي المحكوم مدى الحياة في السجون الإسرائيلية.

عندما اعتقل أيمن عام 1998 تركها مع أربعة أطفال أكبرهم عمره خمس سنوات وحامل في الشهر الأول وفي بيت مستأجر، قام صاحب البيت برمي العائلة في الشارع لأنهم لم يستطيعوا دفع أجرة البيت.

بدأت رحلة الأم بالسكن في بيت آخر غير مكتمل يتكون من سقف وجدران فقط كان أيمن قد بناه قبل اعتقاله، وقد اضطرت لوضع النايلون على الشبابيك والأبواب لتستر نفسها مع أولادها الصغار وتنام معهم على أرض من تراب.

وفي وجه الريح والجوع والعتمة أخذت أم علاء (تكوّر) الجزر واللفت طوال الليل لتبيعه طوال النهار للناس حتى تسد رمق أطفالها، تخرج الساعة التاسعة صباحا وتعود مساء بعد أن تقفل الباب على الأولاد.

ومن انتظار الى آخر، ومن حاجز الى حاجز، ومن ليل الى ليل ومن سجن الى آخر ، عبرت أم علاء دروب الحياة، حالمة أن تبني البيت ليكون له باب ومفتاح وشباك وجدار تعلق عليه صور أيمن وينام فيه أطفاله لا يخشون بردا ولا جوعا ولا خوف!.

أم علاء تنسج من إبرة الضوء فساتين العرائس، وتحفر الجزر واللفت كي تعيش قليلا ثم قليلا حتى يعود الأب ويطمئن أن الحياة بعده لم تجف.

بائعة الجزر أعدت لزوجها دون أن تبكي حناءها وتفحصت ظلالها لأن موعد الصلاة لا يتغير كما هو موعد الحرية.

بائعة الجزر استقطبت الحياة كثيرا، لم تستسلم للموت المباح كل يوم، لم تقنط لمنظر الجدار بشعا في وجه الصباح ، لم يتغير صوتها المشحون بالغضب.

على شبك الزيارة يقول الولد لأبيه: أمي تحبك فاحذر اليأس غدا، فالمعاني لا تموت في السجن وإن كان السجن قد صمم للنسيان ولصدى الوحوش.

تقول أم علاء: السجون تعج بمن يصعدون الى فخرهم وبمن ينزلون الى مجدهم من ثقوب المدى .

أبي احذر أن تحب السجان مع مرور الزمن كما يراهن هو، فلا يزال على بوابة القدس يتقن إصابة الشمس وهي تهبط مع الندى.

أم علاء تضع بسطتها في باب العامود، تنادي على الجزر واللفت، ولا احد يسأل عن هذه المرأة الخارجة من النار، ولا أحد يعرف أن القصة بلا غلاف وبلا خاتمة، البطل غائب، النص غائب، والسجن يذوب إذا اجتاحه حنين النساء الفلسطينيات.

بائعة الجزر لا تنتظر الجواب من اللغة العبرية عن أسئلة مقدسية ، ولا تستوعب أن يبقى أسرى القدس وأسرى عام 1948 عالقين ما بين الدولة الثنائية القومية و الدولة ذات الحدود المؤقتة وكلاهما سراب.

أم علاء لها لغتها، لغة أمهات الأسرى، ومن لم يرافقهن منذ الفجر عبر باصات الصليب الأحمر الى السجون لزيارة أبنائهن أو أزواجهن فلن يفهم اللغة وسيقع في الخطايا .

أم علاء امرأة فلسطينية لها اسم وعنوان وأولاد وبيت بنته بيدها، وهوية من القمح لا تستمد وهجها إلا من رجل لا زال يحاول هناك أن يزرع الورد في حقول من حديد.

هي أخت المكان، وهنا من يرث المكان، يحفظ الذكرى وهنا من يروي كل شيء ويفسر للعابرين لغة الحمام.

بائعة الجزر تطيل ليلتها حتى ينام أيمن، تغطي برشه بحلمها، وتحرسه من المداهمات الفجائية ومن الكوابيس، لا تنام إلا عندما يتعب السجان من يقظته المسلحة.

في القدس تعرف بيوت الأسرى من خفقات الوجوه، ومن زيتونة تنحني على باب الأقصى حينا، وعلى باب المهد حينا آخر، وما بينهما تمر الآيات كلها.

كل شيء في القدس يمنعك من المغادرة بسرعة ، ترتدي قميص القدس وتبدأ بالصلاة، وعلى مقربة من السماء تسمع بائعة الجزر تناديك، تبيعك ما تبقى وتسقيك الماء، فتعلم حينها أن أغنية السلام لم تصل بعد الى السجناء.

تختبئ في القدس داخل أي صوت، موجة من التاريخ تلطمك، تبكي ثم تبكي عندما تقدم العزاء لأم الأسير علاء البازيان بوفاة زوجها، وتنهار الى قبر عندما تنزل خمسة أمتار الى منزل الأسير هاني جابر تحت الأرض، تكاد تصدق أن الخرافة تعرفك وتراك.

الأسرى قالوا كل ما لديهم، ونقلت رائحة الصدى ما قالوه للمطر والنجوم والمفاوضين: عن حروب جاءت وأخرى ذهبت، وكأن مصيرهم مبهم في شرايين المدى.

وتعرف بائعة الجزر ما توحيه أنفاسهم وهي تتكلس بين الرطوبة والزمن المسافر في دمهم بطيئا بطيئا ويابسا يابسا، صحراء هذا الوقت ولا احد.

ماذا تقول بائعة الجزر عندما يقتحم السجن غرباء المساء، يقرأون مزاميرهم على السور علنا، ويغادرون جنائزنا بشرعية أممية وبصمت حناجرنا، فلا تجد غيرها من يذرف البكاء.

لأمهات وزوجات الأسرى أسرارهن عندما يقفن على شبك الزيارة نصف ساعة بلا كلام، وعندما لا يستطعن إدخال الزيت القهوة والزعتر للأسرى، وعندما لا يحصلن على تصريح للزيارة بحجة أن لا صلة قرابة بأبنائهن، ولهذه الأسرار حمولة في الذاكرة لا يكسرها الفولاذ والنسيان.

الى متى يبقى الفلسطيني يعشق الغائب ويكتب عن المنفى هنا وهناك، وطن لم يتسع لكل هذا العذاب حتى أصبح البيت مأهولاً بالتأمل والصبر وليس بالسكان.

في لجنة حقوق الإنسان في جنيف أنكرت الضحية ذاتها لأول مرة في التاريخ، ابتسم الجلاد، أعطانا مكافأة بدل الدولة موجات من الهواء.

لم تصدق بائعة الجزر هذا النبأ، تحسست أحوالها وأنفاسها ، لا زال جرح القلب عميقا ينزف، ولا زالت بساطير الجنود محفورة على درج البيت، والقدس تغيب عن الأركان الخمسة رويدا رويدا وتتكسر على حجر .

بائعة الجزر أبلغتني عن وثيقة شرف وقعتها أمهات وزوجات الأسرى تقول: سندع الكلام لمن يجيد الكلام ، أما نحن فلنا ما هو على الأرض، ننتظر من يبني جسرا الى حلمنا الأول، ومن يفتح باب السجون ويعيد رجالنا، من يقنعنا أننا في دولة نمر في شوارعها آمنين أسيادا حراسا على أطفالنا وأسماءنا وأشجارنا، نعيش كما نريد أن نعيش.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://fayesbadawi.dogoo.us
 
أم عــلاء ::::: بطـــولـة غائبــة فــي أحــرف مــن نــار :::
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشهيد فايز كامل بدوي :: القسم الخاص :: المعتقلون والاسرى في سجون العدو-
انتقل الى: